أطفال التّوحد والعلاج بالفنّ (1)

 التّوحد هو بلورة من الكريستال دخلها ابني لتعزله عنّي وعن العالم وكأنّه في كوكب آخر فلا نظرة من عينيه إلي عينيّ , ولا إشارة تصحبني فيها إصبعه ولا لعبة نشاطر فيها الخيال ولا قبلة أشعر معها بطعم الدّنيا , كم تمنيت أن أكسر تلك البلورة , وأُخرج منها صغيري أهزّه .. أهزّه .. بعنف لعلّه يعود من منفى توحدّه وعندما يئست قررت أن أخترق البلورة وأدخل عالم التّوحد بحثاً عن ابني "

 هذه الكلمات تنبع من قلب كلّ أمّ لطفلِ توحد يصعب عليها التّواصل مع ابنها , ولذلك كان من الواجب الخروج عن المألوف من علاجات لإيجاد وسيلة لفك هذا اللّغز والدّخول إلى عقول المتوحدين.

يشكّل الفنّ بأشكاله المتنوعة جزءاً لا يتجزأ من حياة كل فرد اليوم في كل المراحل العمرية فيساعد على إعادة التّوازن العقلي وعندما يشعر المرء بالضّيق أو التّوتر أو الغضب أو الحزن لن يجد حلاً أفضل من أن يُسقط مشاكله الحياتية على ورقة وباستخدام قلم...

ومن هنا انطلقت فكرة أن الفنّ ليس مجرد لوحة تُرسم أو مجسماً يُنحت أو مقطوعة تُعزف حيث تعدّى ذلك ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصّحة النّفسية والرّوحية وبذلك أصبح الفن واحداً من الأساليب العلاجية المعترف بها على المستوى المحليّ والعالميّ.

  • أهمية العلاج بالفنّ:

لعلّ الفئة الأبرز التي لاقى العلاج بالفنّ معها نجاحاً هي أطفال (مرض التّوحد) الذين يعانون من مشكلات في التّفاعل والتّواصل الاجتماعي حيث لديهم صعوبة في الكلام وبدء المحادثات أو الاستمرار فيها وحتى في طلب ما يحتاجونه ومنهم من لا يعبّر عن عواطفه و مشاعره ومن الجانب المقابل فهو أيضاً لا يدرك مشاعر الآخرين ونظراً لأنه لا يوجد علاج عضوي يشفي هؤلاء الأطفال فتوجهت السّبل نحو زيادة قدرة الطفل على أداء الأعمال بأكبر قدر ممكن.

 إيجابيات التّعبير عن طريق الرّسم على طفل التّوحد:

يساعد الرّسم في بناء جسر للّتواصل بين المريض والمعالج لتبادل الأفكار والمعاني فيما بينهما والكشف عن الصّراعات الدّاخلية لدى المريض,  ويعود الرّسم على الطّفل المتوحد بالكثير من الفوائد منها:

 

1-برنامج العلاج بالفنّ يساعد طفل التّوحد على الخروج من حيز التّفاعل مع نفسه إلى التّفاعل مع المعالجة ومع العمل الفنيّ، ومن ثمّ الأصحاب من حوله، ومن هنا يحدث الاتصال اللّغوي أو الاجتماعي.

 

2-إطلاق الشّعور التّعبيري والانفعالي لدى الطّفل وذلك من خلال تطور التّفاعل الإنساني بينه وبين العمل الفنيّ وبين المعالج.

3- تنمية وعي الطّفل بنفسه كونه قادر على إخراج عمل جميل ومتميز.

4- تنمية إحساس الطّفل بنفسه حتى ينمو إحساسه بالبيئة من حوله.

5- تنمية إدراكهم الحسي وذلك من خلال تنمية إدراكهم البصري عن طريق الإحساس باللّون والخط والمسافة والبعد والحجم والإدراك باللّمس عن طريق ملامسة السّطوح.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الرّسوم تعد سجلاً بصرياً ثابتاً للتّعرف على مدى تقدّم المريض أثناء العلاج, كما أنّ هذا النّوع من العلاج لا يعتمد على مهارة فنية، فلا أهمية ولا ضرورة لذلك فالرّسم يحتاج إلى قدرات فنية تساعد الطّفل الذي لديه (توحد) على أن يتعود على التّفكير عن طريق اللّعب بالألوان والتّعبير بالرّسم ولا شك أن أثر ذلك يكون واضحاً في المستقبل ومن المعلوم أنه بقدر تنمية القدرات في مرحلة الطّفولة تكون نتائج العلاج أفضل من مرحلة ما بعد الطّفولة أي المراهقة وما بعد المراهقة.

  • طرق العلاج والإرشاد النّفسي للأطفال بالفنّ:
  1. الشّخبطة على الورق.
  2. الرّسم الحر.
  3. رسم المشاعر والعواطف.
  4. رسم مسار الحياة.
  5. رسم الطّفل لنفسه وللآخرين ولأسرته.
  6. تلوين وترتيب الأشكال.
  • قدرات رسم غير عادية

يبدي بعض مرضى التّوحد قدرة إبداعية عالية قد يعجز عنها الإنسان العادي وفي دراسة أجريت على طفلة توحدية عمرها ستة أعوام كانت رسوماتها تختلف عن رسومات الأطفال العاديين, فعندما كان عمرها ثلاث سنوات كانت مغرمة بالخيول ورسمت خلال السنوات القليلة مئات الخيول وفي منتهى الدّقة وبنسب صحيحة للعناصر واستخدام خطوط مخفية ومستبعدة تعطي انطباعاً بالحركة والحياة, أي أنها ترسم ما تقع عليه العين بشكل حرفي كما لو كانت كاميرا تصويرعلماً بأن الطّفلة لم تكن تمضي وقتاً يذكر في دراسة الخيول ومتابعتها على أرض الواقع وكانت تكتفي بصورالخيول التي تراها بشكل عابر في كتب القصص التي تطّلع عليها.

 إن عدد رسومات الطّفلة التّوحدية بدأ يقل بشكل متدرج عندما بلغت سن الحادية عشرة, وتطوّرت قدرتها على الكلام أما الآن فهي لا ترسم إلا بعض الرّسومات من حين لأخر.

تحرير: منارة سليمان

تنسيق وتدقيق: راوية عبد الحق