لوحة موت سقراط ... أكثر من مجرد لوحة!

تستطيع هذه اللوحة من النَّظرة الأولى أن تلفت الانتباه وتختطف اللُّبَّ فما سر هذه اللَّوحة؟

لوحةُ "موت سقراط" هي مثال نموذجيّ للحركة الكلاسيكيَّة الحديثة رسمها جاك لويس ديفيد عام ( 1787م) تتناول أحد الأحداث التَّاريخيَّة البارزة وهو حدث إعدام سقراط من قبل السُّلطات الإغريقية عام(399 قبل الميلاد) بتهمة إفساد عقول الشَّباب والتَّلاعُب بالدّين وتأتي أهميّة هذا الحدث من أن سقراط خُيّر أن يتم نفيه أو إعدامه بالسُّم ففضل الموتَ مع مبادئه وفلسفته على الهروب, فتُصوّر اللّوحة سقراط وهو يعطي آخر درس له لتلاميذه عن قيمة الحياة والموت وعن أن الحياة لا معنى لها دون حريّة الرأي متمسكاً بآرائه وفلسفته متخلياً عن حياته لأجلها.

تحتوي هذه اللوحة على الكثير من الرّموز, فيظهر في منتصف اللّوحة سقراط بلباسٍ أبيض وجسدٍ قوي وهو يجلس في المركز ويرفع بإصبعه للأعلى وهو يلقي درسه الأخير عن الحياة والموت مستعداً بكل شجاعة لأخذ السُّم من الرجل المرتدي اللون الأحمر الذي تدل تعابير وجهه على حزنه الشّديد فهو أحد تلاميذ سقراط (اللون الأبيض لرداء سقراط إشارة لنقائه وللخير والفضيلة فيه وحكمته أما لون رداء السّاقي يشير إلى الحكم بالإعدام)، أما الرّجل الجالس قرب سقراط واضعاً يده على فخذ سقراط هو كريتو أقدم وأوفى تلاميذ سقراط.

من الجدير بالذّكر هنا أن ديفيد رسم جسد سقراط ببنية قوية ذو عضلات ودون تجاعيد وهذا لا يتناسب مع عمر سقراط عند إعدامه حيث كان في السَّبعين من عمره وهذه إحدى مميزات أسلوب الكلاسيكيَّة الحديثة بتجسيد الأجسام بصورة مثاليَّة.

وفي يسار الصورة نرى رجلاً كبيراً أشيب جالساً في مؤخرة السَّرير مديراً وجهه عن المشهد إنه أفلاطون وهو الكاتب الذي وثَّق حياة سقراط وفلسفته وموته بالتفصيل ونلاحظ في أسفل الصورة أوراقاً وعلبة حبر وقلم كتابة كناية عن كتاب فايدو الذي استقى منه الرّسام هذا المشهد.

هنا يوجد عدة أمور قد تبدو غريبة:

أفلاطون في الواقع لم يكن موجوداً أثناء حكم الإعدام فلماذا وُجِد هنا! كما أفلاطون في ذلك الوقت لم يكن شيخاً بل كان في التاسعة والعشرين من عمره! أما وضعية جلوس أفلاطون فهي غريبة حيث يجلس مديراً ظهره للحدث وكأنه مفصول عن الحدث!

بناءً على هذا يؤكد المحللون أن اللَّوحة هي عبارة عن ذكريات أفلاطون وتصوراته للواقعة وإن هذا المشهد كتبه أفلاطون بعد تقدمه في السّن وهنا تبرز براعة وعبقرية جاك لويس ديفيد في رسم الفكرة بدقة عالية وكأن المشهد يخرج من رأس أفلاطون أي كأنه جالسٌ بعد سنوات كثيرة يتخيَّل الواقعة وكأنه تم تشغيل فيلمٍ قديم في ذكريات أفلاطون يرى من خلاله أحداثَ الماضي.

فإذاً المراد الأساسي لهذه اللوحة ليس توثيق موت سقراط بل لتمجيد الفكرة التي يمثّلها هذا الحدث فهذه اللَّوحة ببساطة لرسام عبقريّ يتحدث عن فيلسوف عبقريّ ومناضلٍ سياسيّ.

عُرضتْ اللوحةُ للمرة الأولى في معرض صالون باريس عام 1787م، وتوجد حاليًا في معرض )الميتروبوليتان- Metropolitan Museum of Art ) في نيويورك أمريكا.

يوجد الكثير من التفاصيل المثيرة للإعجاب والرموز المختبئة في اللَّوحة للاستزادة ننصحكم بالاطلاع على المراجع.

المراجع

  • أريج أبو هنية، 3تموز عام 2021، مجلة المحطة
  • فارس أحمد، لوحة موت سقراط، قناة يوتيوب، عزازيل
  • The death of Socrates: how to read a painting, youtube channel,nerdwriter1
  • ويكيبيديا